محمد بن الحسن بن دريد الأزدي

24

جمهرة اللغة

دريد كان قد امتدح في مقدمته الخليل واعترف بفضله وفطنته ، وهذا يوافق نهجه في نسبة الخطأ إلى الليث لا إلى الخليل نفسه . ومن الأمثلة على ذلك قول ابن دريد : « ولا تنظرنّ إلى ما جاء به الليث عن الخليل في كتاب العين في باب السين فقال : سدف في معنى شدف ، فإنما ذلك غلط من الليث على الخليل » ( ص 651 ؛ وليس في العين ، شدف ، 6 / 244 ، ولا سدف ، 7 / 230 ، شيء من هذا ) . ومن هذه الظاهرة أيضا قول ابن دريد ( ص 260 ) أن ليس صحيحا عن الخليل ما ذكر من قوله ؛ يوم بغاث ، بالغين المعجمة ، والمعروف يوم بعاث ، بالمهملة . وبغاث مذكور في العين ( 4 / 402 ) ، ويبدو أن ابن دريد يعني الليث دون أن يسمّيه ؛ ويقوي هذا الاحتمال قول ابن منظور في اللسان ( بعث ) : « وذكر ابن المظفّر هذا في كتاب العين ، فجعله يوم بغاث وصحّفه ، وما كان الخليل ، رحمه اللّه ، ليخفى عليه يوم بعاث ، لأنه من مشاهير أيام العرب ، وإنما صحّفه الليث وعزاه إلى الخليل نفسه ، وهو لسانه » . هذا في المواضع التي ذكر فيها ابن دريد الخليل . أما موضوع القسم الثالث من العلاقة بين العين والجمهرة فأوسع من ذلك ، ونعني به مجمل الشروح والشواهد لا مواطن محدّدة بعينها . فالناظر في الكتابين يرى فرقا أساسيا في التنظيم الداخلي للشرح . وقد كشف حسين نصار عن هذا الفرق حيث يقول : « فالخليل يجمع كل الصيغ التي تشتقّ من مادة واحدة تحت مادّتها ، ويميل إلى نوع من الانتظام في معالجة هذه الصيغ ، فإذا كانت اسما ذكر مفرده وجمعه ، وإن كانت فعلا قدّم ماضيه فمضارعه فمصدره ، ثم الصفة منه في كثير من الأحيان ، وقدّم الثلاثي اللازم منه ثم المتعدي ثم الصيغ غير الثلاثية على قدر الإمكان ، ويميل إلى الربط بين الصيغ الأصلية والفرعية . . . أما ابن دريد فيوزّع صيغ المادة الواحدة على أبواب متباعدة ، ويحاول أحيانا أن يربط بين الصيغ الفرعية والأصلية فيخلط بينها ، ولا نجد عنده الانتظام الداخلي في الموادّ أو الميل إلى الانتظام الذي عند الخليل » « 1 » . أما قول نصّار بعد ذلك إن الجمهرة لا يصل في تفسيراته إلى الدقة التي وصل إليها سابقه ، فدعوى تحتاج إلى بيّنة ودليل ؛ ونحن نجد ابن دريد في مجمل كتابه دقيق الشرح حسن التفصيل منبّها في مواطن كثيرة على الفروق الدقيقة في المعاني . وأما أن يقول : معروف ، أو : لا أدري ما صحّته ، فأمر مألوف في المعجمات كلها ، وليس وقفا على الجمهرة . وفيما يتعلّق بالشواهد نجد خلافا كبيرا بين الكتابين ، فمعظم شواهد كلّ ليس من شواهد الآخر . وقد حرصنا على استقصاء الشواهد المشتركة فنبّهنا إلى مواضع ورودها جميعا في كتاب العين في تخريج الأبيات . والناظر في التخريج يجد أن شواهد الجمهرة التي في العين قليلة نسبيا وأنه قد تمرّ موادّ بأسرها ليس بين الكتابين فيها شاهد واحد مشترك . ويذكر لنا القفطي والسيوطي « 2 » أن الإمام أبا غالب تمّام بن غالب المعروف بابن التّيّاني المتوفى عام 436 ه وضع كتابا اسمه الموعب أتى فيه بما في العين من صحيح اللغة وطرح فيه من الشواهد المختلفة ، وزاد ما زاده ابن دريد في الجمهرة . ومن جهة أخرى نجد

--> ( 1 ) المعجم العربي : نشأته وتطوّره 427 . ( 2 ) الإنباه 1 / 259 ، والمزهر 1 / 88 .